Show notes
مع بداياتي في النشر أكثر ما كنت أخافه هم أولئك الذين يشبهونني كقارئ، "حراس اللغة"، وكأننا كنا نفرح بالتقاط أخطاء الكتب، النحوية والإملائية، أن نجد الفرصة لمراسلة الدور بهذه الأخطاء، أن نلفت انتباههم لنا، أو كأننا نحاول أن نجد لأنفسنا دورا مهما غير القراءة فقط، أن نشارك المؤلف في كتابه بالتدقيق والتصحيح، ومن ثم عندما أصبحت ناشرا، آليت على نفسي ألا أقع فريسة من يشبهني، وبحثت عن المدقق، وعملت مدققا، وضاعفت المراجعة والاعتماد في خط الإنتاج، وعندما ثقلت المهام، بحثت عن مدقق يمكنني الاعتماد عليه، تواصلت مع الجميع وبحثت، وإذا برقم يصلني، اتصلت به، كان باردا هادئا في صوته ثقة مطمئنة، لم أطلب منه سيرة مهنية كبيرة كل ما قاله أنه يدقق لكبار الكتاب في أكبر الصحف المحلية، واكتفيت بذلك، وعملت معه في خط الترجمة الذي كنت قد أسسته، وأحيانا بعض الكتب العربية التي احتاج تدقيقا خاصا، أرسلت أول كتاب لمترجم معروف، طلب مني أن أدققه للتأكد، وطلبت من المدقق الهادئ العمل عليه، أنهاه سريعا، فخفت، واعدته للمترجم، والذي عاد لي بعد يومين وسألني: " من الذي دقق الكتاب"؟ وهنا شعرت بالخوف، ماذا فعل المدقق؟ ولكن لم يكن المترجم الكبير ينتظر جوابا، وأكمل:" أبلغه سلامي الخاص وأشكره كثير الشكر على كل ما عدله"، فكانت كلمة " عدله" كالجرس، لم يقل دقق، صحح!، هل عدل المدقق على المترجم، وهكذا استمر جميع المؤلفين والمترجمين يوصونني بشكر المدقق على تعديلاته، فبلغ بي الفضول أن أوقف أحدهم وأسأله ماذا عدل، فكانت أكثر من تدقيق، كانت أشياء في الصياغة، والمعلومات، والمراجع، فكان السؤال (ما هي حدود علاقة المدقق بالنص)؟


